الجصاص
452
أحكام القرآن
أهل اللغة لا توجب الترتيب ، قاله المبرد وثعلب جميعا ، وقالوا : إن قول القائل : " رأيت زيدا وعمرا " بمنزلة قوله : " رأيت الزيدين ورأيتهما " وكذلك هو في عادة أهل اللفظ ، ألا ترى أن من سمع قائلا يقول : " رأيت زيدا وعمرا " لم يعتقد في خبره أنه رأى زيدا قبل عمرو ، بل يجوز أن يكون رآهما معا ، وجائز أن يكون رأى عمرا قبل زيد ؟ فثبت بذلك أن " الواو " لا توجب الترتيب . وقد أجمعوا جميعا أيضا في رجل لو قال : " إذا دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر وعلي صدقة " أنه إذا دخل الدار لزمه ذلك كله في وقت واحد ، لا يلزمه أحدها قبل الآخر ، كذلك هذا . ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقولوا ما شاء الله وشئت ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت " ، فلو كانت " الواو " توجب الترتيب لجرت مجرى " ثم " ولما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . وإذا ثبت أنه ليس في الآية إيجاب الترتيب فموجبه في الطهارة مخالف لها وزائد فيها ما ليس منها ، وذلك يوجب نسخ الآية عندنا لحضره ما أباحته ، وهم يختلفوا أنه ليس في هذه الآية نسخ ، فثبت جواز فعله غير مرتب . والوجه الثاني من دلالة الآية : قوله تعالى : ( فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الرجل مغسولة معطوفة في المعنى على الأيدي ، وأن تقديرها : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم ، فثبت بذلك أن ترتيب اللفظ على هذا النظام غير مراد به ترتيب المعنى . والوجه الثالث : قوله في نسقها : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) ، وهذا الفصل يدل من وجهين على سقوط الترتيب ، أحدهما : نفيه الحرج ، وهو الضيق فيما تعبدنا به من الطهارة ، وفي إيجاب الترتيب إثبات للحرج ونفي التوسعة . والثاني : قوله : ( ولكن يريد ليطهركم ) فأخبر أن مراده حصول الطهارة بغسل هذه الأعضاء ، ووجود ذلك مع عدم الترتيب كهو مع وجوده ، إذ كان مراد الله تعالى الغسل . فإن قيل على الفصل الأول : نحن نسلم لك أن " الواو " لا توجب الترتيب ، ولكن الآية قد اقتضت إيجابه من حيث كانت الفاء للتعقيب ، ولا خلاف بين أهل اللغة فيه ، فلما قال تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) لزم بحكم اللفظ أن يكون الذي يلي حال القيام إليها غسل الوجه ، لأنه معطوف عليه بالفاء ، فلزم به تقديم غسله على سائر الأعضاء ، وإذا لزم الترتيب في غسل الوجه لزم في سائر الأعضاء لأن أحدا لم يفرق بينهما . قيل له : هذا غير واجب من وجهين ، أحدهما : أن قوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) متفق على أنه ليس المراد به حقيقة اللفظ ، لأن الحقيقة تقتضي إيجاب الوضوء بعد القيام إلى الصلاة ، لأنه جعله شرطا فيه فأطلق ذكر القيام وأراد به غيره ، ففيه ضمير على ما بينا فيما تقدم ، وما كان هذا سبيله فغير جائز استعماله إلا بقيام الدلالة عليه ، إذ